رسالة إلى شعبي أبناء الصوماليلاند.
بقلم
: زكريا احمد اسماعيل
——————————————————————————–
على مدى ما يقارب خمسةً وثلاثين عامًا، وشعبُ أرض الصومال يسير في طريقٍ شاقٍّ بحثًا عن الاعتراف، وبناء الدولة، وترسيخ مؤسسات الحكم، وتحقيق الأمن والاستقرار بعد سنواتٍ من المعاناة والاضطراب. كانت تلك المسيرة مليئةً بالتضحيات، وممهورةً بدماء الشهداء، ومسنودةً بصبر الأمهات، وعزيمة الرجال، وآمال الأجيال التي آمنت بأن هذا الوطن يستحق أن يكون له مكانٌ تحت الشمس بين الأمم.
إن القضايا الوطنية الكبرى التي تمسّ كيان الدولة ووحدتها وسيادتها ليست مجالًا للمزايدات السياسية، ولا ساحةً لتصفية الحسابات، ولا مادةً للمعارضة من أجل المعارضة. فالمعارضة حقٌّ مشروع حين تتعلّق بأداء حكومةٍ في ملفٍّ خدميّ، أو سياسةٍ اقتصادية، أو إدارةٍ تنفيذية يمكن نقدها وتقويمها وتصويبها. أمّا المسائل المتعلّقة بالثوابت الوطنية، وبمستقبل الكيان، وبالخطوط العريضة التي أجمع عليها الشعب، فإنها فوق الخلافات الحزبية، وأسمى من التجاذبات الضيقة.
لقد تعلّمنا من تجارب الأمم أن الدول لا تنهض إذا بقيت قضاياها المصيرية رهينة الصراع الداخلي، ولا تقوى شوكتها إذا تفرّق خطابها في المحافل، ولا يُحترم صوتها خارجيًا إذا كان منقسمًا داخليًا. إن وحدة الصف في القضايا المصيرية ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية، وشرطًا أساسيًا لحماية المنجزات التي تحققت بجهد السنين.
ليس المقصود إسكات الآراء، ولا إلغاء التعددية، ولا تحريم النقد البنّاء، فهذه من مقومات الحياة السياسية السليمة. ولكن المقصود هو التمييز بين نقد الأداء التنفيذي، وهو حقٌّ مكفول، وبين التشكيك في المسار الوطني الجامع، وهو أمرٌ يفتح أبواب الفتنة ويضعف الموقف العام. فثمة فرقٌ بين معارضة حكومة، ومعارضة قضية وطنية تشكّل ركيزة الإجماع الشعبي.
أيها الشعب الكريم، إن المرحلة التي نعيشها تتطلب قدرًا عاليًا من الوعي والمسؤولية، وتستلزم خطابًا جامعًا لا مفرّقًا، وبنّاءً لا هدّامًا. فالمستقبل لا يُصنع بالصراخ، بل بالحكمة؛ ولا يُبنى بالانقسام، بل بالتكاتف؛ ولا يُحمى بالتشكيك، بل بالثبات على المبادئ التي اجتمعنا عليها.
إن الحفاظ على المكتسبات الوطنية واجبٌ شرعيٌّ وأخلاقيٌّ وسياسيٌّ في آنٍ واحد. ومن واجب النخب والمثقفين والسياسيين وعموم المواطنين أن يضعوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وأن يُغلّبوا منطق العقل على نزعات الانفعال، وأن يستحضروا عظمة المسؤولية الملقاة على عواتقهم أمام التاريخ والأجيال القادمة.
حفظ الله أرض الصومال وأهلها، وأدام عليها نعمة الأمن والوحدة، ووفق أبناءها إلى ما فيه خير البلاد والعباد.









