قدم مشرعون في الكونغرس الأميركي مشروع قانون يلزم وزارة الخزانة الأميركية بدراسة العقبات التي تحد من وصول إقليم صوماليلاند إلى النظامين الماليين الأميركي والعالمي، في خطوة من شأنها تعزيز التعاون الاقتصادي مع هذا الإقليم المطالب بالانفصال عن الصومال والواقع في القرن الأفريقي.
ووفقاً لسجلات الكونغرس، فإن مشروع القانون، H.R. 7993، المعروف باسم قانون صوماليلاند لفتح ممر اقتصادي، قدمه النائب جون روز، وشارك فيه النائبان بات هاريغان وأندرو أوجلز.
ويلزم مشروع القانون وزير الخزانة الأميركي بتقديم تقرير شامل إلى الكونغرس في غضون 180 يوماً، يحدد فيه المعوقات القانونية والتنظيمية والتقنية التي تحد من وصول صوماليلاند إلى الأنظمة المالية، بما في ذلك القنوات المصرفية وشبكات الدفع الدولية.
ويواجه الإقليم، الذي عزز مكانته الدولية بعد اعتراف إسرائيل به في ديسمبر (كانون الأول) 2025، صعوبات طويلة الأمد في الوصول إلى التمويل العالمي، إذ تعمل البنوك والشركات في ظل قيود مرتبطة بأخطار الامتثال ومحدودية العلاقات المصرفية المراسلة.
وحسب مراقبين، فإن التقرير سيقيم مدى التزام الإقليم بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وسيوصي بخطوات لتحسين الشفافية والرقابة والنزاهة المالية.
كذلك سيبحث التقرير سبل دعم الولايات المتحدة لعلاقات مالية أكثر أماناً وموثوقية، نظراً إلى تزايد أهمية صوماليلاند الاستراتيجية في واشنطن على طول الممرات البحرية الرئيسة في البحر الأحمر وخليج عدن. ويحتاج المقترح الجديد إلى موافقة مجلسي الكونغرس وتوقيع الرئيس ليصبح قانوناً نافذاً.
فهل تسهم الاضطرابات الأخيرة في إيران وإغلاق مضيق هرمز في تعزيز فرص الإقليم للحصول على الاعتراف الأميركي باستقلاله؟ بخاصة أن المقترح الجديد يفتح الباب أمام بداية تعاون بين واشنطن وهرجيسا في تجاوز لموقف الإدارة الأميركية من وحدة الصومال وسيادته على كل أراضيه، وفي ظل ظرف دولي معقد يشهد اضطرابات كبيرة على خلفية الأحداث في الشرق الأوسط وإمكان تأثيره في خليج عدن، والبحر الأحمر، لا سيما أن عدداً من نواب الكونغرس الأميركي قد استبقوا المقترح الجديد بتسجيل زيارات متكررة إلى هرجيسا.
بادرة نحو الاعتراف
من جهته، يرى المتخصص في شؤون الصومال هاشم جيلاني، أن المقترح التشريعي الجديد يمثل بادرة أولى للتعاون بين أميركا وصوماليلاند، وقد يعبد الطريق لاحقاً للاعتراف باستقلال الإقليم، أسوة بالاعتراف الإسرائيلي.
ويقدر جيلاني أن الإدارة الأميركية الحالية تبدو أكثر تفهماً لمواقف هرجيسا، أكثر من أي إدارة سابقة، بخاصة أن الاعتراف الإسرائيلي مر بطريقة سلسلة، لا سيما أن بعض النواب يرون في التجربة الديمقراطية لهرجيسا، من ناحية التداول السلمي للسلطة وانتظام الاستحقاقات الانتخابية، فضلاً عن الاستقرار الذي ينعم به الإقليم، نموذجاً يستحق التشجيع، مقارنة بالدول المجاورة التي تعاني ويلات الحروب وحال عدم الاستقرار، علاوة على الصراعات المحتدمة حول السلطة وطرق الحصول عليها.
ويشير المحلل السياسي الصوماليلاندي إلى أن انحسار تحركات الجماعات المتطرفة في الصومال الجنوبي وسيادة القيم الليبرالية في الصومال الشمالي (صوماليلاند)، تعد عوامل مهمة لتحفيز واشنطن على الاعتراف.
عامل الهجرة
ويتابع في ظل السياسات المشددة من قبل إدارة ترمب تجاه المهاجرين الصوماليين، فإن مستشاريه يرون أن حصول صوماليلاند على الاستقلال قد يحفز الصوماليين على بناء مستقبلهم في شمال الصومال عوض الهجرة نحو دول أوروبا وأميركا الشمالية.
ويضيف أن الظروف الدولية الأخيرة، بخاصة بعد الاضطرابات المتكررة في مداخل البحر الأحمر، والحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، وتداعياتها على الملاحة الدولية، بخاصة بعد إغلاق مضيق هرمز، قد تنعكس إيجاباً على مطالب هرجيسا بالاستقلال واندماجها في الديناميات الدولية في شأن استقرار منطقة القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر، بخاصة في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب.
ويوضح جيلاني أن “إدارة ترمب تعد الأقل تمسكاً بمبدأ سيادة الدول، وتنحو عادة إلى اتخاذ تدابير جريئة في اتجاه تحقيق مصالحها الكبرى، ومن ثم فإن إمكان اعترافها باستقلال صوماليلاند يعد احتمالاً وارداً بنسبة كبيرة”.
ويرجح المتخصص في الشأن الصومالي أن تقدم حكومة هرجيسا محفزات للإدارتين الأميركية والإسرائيلية تتعلق بالسماح بإقامة مراكز لوجيستية في خليج عدن، فضلاً عن فتح أبواب الاستثمار بخاصة في مجالات الطاقة والتعدين.
مقترح اقتصادي
بدوره يرى المتخصص في العلاقات الدولية محمد السيد علي، أن المقترح الذي صاغه النائبان في الكونغرس الأميركي جون روز وبات هاريغان، يتعلق بالأساس بالشق الاقتصادي، ولا يرتبط بصورة مباشرة بمسألة انفصال إقليم صوماليلاند عن الصومال أو الاعتراف باستقلاله.
ويوضح أن الأمر يتعلق بكيفية استفادة الولايات المتحدة من الأصول المالية بصوماليلاند، بخاصة في ظل الأزمات الاقتصادية الناتجة من الحروب الأخيرة.
ولفت إلى أن المشروع يقترح على وزير الخزانة الأميركي بدراسة الجوانب القانونية والتنظيمية والتقنية لوصول صوماليلاند إلى الأنظمة المالية، بما في ذلك القنوات المصرفية وشبكات الدفع الدولية، ومن ثم فهو مقترح يسعى إلى رفع القيود التي تحد من خضوع المقدرات المالية للإقليم من الرقابة المتعلقة بغسل الأموال وتحسين الشفافية والرقابة والنزاهة المالية، علاوة على ضمان السير القانوني لموازنة الدولة وإسهامها في قيمة الدولار الأميركي، ومن ثم فإن ربط هذا المقترح بالقضايا السياسية المتعلقة بالاستقلال سابق لأوانه.
ويرى السيد أن المقترح بالأساس يخدم الاقتصاد الأميركي أكثر من صوماليلاند، بخاصة أن الإقليم موعود في الفترة المقبلة بعدد من الاستثمارات الأجنبية لدول عدة من بينها إسرائيل والإمارات وأن وصوله إلى النظامين الماليين الأميركي والعالمي سيسهم في فائدة الاقتصاد الأميركي ويحد من احتمالات اللجوء إلى قنوات غير قانونية لحركة الأموال.
الاعتراف سابق لأوانه
ويضيف “صحيح أن ثمة تحركات من قبل بعض النواب الأميركيين لتشجيع الإدارة الحالية على اتخاذ خطوات مماثلة لتلك التي اتخذتها تل أبيب في شأن الاعتراف باستقلال الإقليم، وضمان انضمام هرجيسا للتحالف الموالي للولايات المتحدة، وثمة معلومات رائجة عن دعوة واشنطن للرئيس عبدالرحمن عرو لزيارة الولايات المتحدة، إلا أن المسار السياسي المتعلق باعتراف واشنطن لا يرتبط بهذا المقترح الهادف إلى تكثيف الشفافية والرقابة المالية.
ويضيف السيد أن الولايات المتحدة تاريخياً لا تنزع نحو الاعتراف بالأقاليم المطالبة بالاستقلال، وتحبذ أن تخلق نوعاً من العلاقات المتوازنة بين الأقاليم التي تطالب بالاستقلال والدول المطالبة بوحدة التراب الوطني، مشيراً إلى وضع كل من تايوان والصحراء الغربية.
وأوضح أن الولايات المتحدة لم تعترف باستقلال تايوان، على رغم توصلها إلى اتفاقات اقتصادية وعسكرية معها، كذلك اتخذت إدارة ترمب موقفاً مؤيداً لمغربية إقليم الصحراء الغربية.
ويختم السيد قائلاً إن اعتماد المقترح الحالي المعروف بـ”قانون صوماليلاند للوصول الاقتصادي والفرص” لا يمثل خطوة نحو الاعتراف باستقلال صوماليلاند، بل يتعلق بالرقابة المالية والاقتصادية، وتحقيق الاستفادة القصوى للدولار الأميركي، مع التركيز على مكافحة غسل الأموال وضمان عدم وصول الأصول المالية للإقليم إلى جماعات متطرفة، أو الإسهام في الجريمة المنظمة.









