الكاتب: نوال يوسف ابوبكر
في الثامن عشر من مايو، لا يُستعاد فقط حدثٌ عابر في الذاكرة الوطنية، بل تُستحضر لحظةٌ مفصلية أعلنت فيها الإرادة الشعبية ميلاد كيان منفصل اختار أن ينهض بذاته.
إن يوم ١٨ مايو هو يومٌ تبدأ أحداثه قبل مجيئه؛ فهو يوم الاستقلال والأكبر عيد تحتفل به الجمهورية، ويمثل لحظة تاريخية فارقة في ذاكرة الصوماليلانديين. ففي مثل هذا اليوم وقبل ٣٥ سنة، بدأت قصة شعب اختار أن يصنع مصيره رغم صمت العالم. وفي مثل هذا اليوم، تم إنهاء النضال الذي استمر لأكثر من عشر سنوات ضد نظام الدولة الاشتراكية التي كان يترأسها محمد سياد بري، والتي خلفت وراءها الآلاف من القتلى والنازحين، ومدناً مدمرة، واقتصاداً منهاراً، إضافة إلى التداعي الكامل للمقومات الأساسية في البلاد.
حين نسترجع تفاصيل ما حدث في ذلك اليوم، نجد أنفسنا أمام واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في تاريخ جمهورية صوماليلاند؛ ففي مدينة برعو اجتمع كبار السياسيين وزعماء العشائر وممثلو المجتمع في لقاء تاريخي لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة سنوات من المعاناة والصراع رافقتها تعقيدات سلطوية وحسابات سياسية كانت نقطة بداية للنضال المسلح الذي خاضته الحركة الوطنية الصومالية ($SNM$) ضد ذلك النظام.
حمل هذا الاجتماع في طياته مسؤولية ثقيلة تمثلت في رسم ملامح جديدة للمرحلة المقبلة، وللحقبة الجديدة التي ستفرض مسيرة تصحيح المسار. وأُعلن في ذلك اليوم التاريخي استعادة استقلال جمهورية صوماليلاند، وإنهاء الوحدة المتهورة التي تشكلت عام ١٩٦٠، والتي وُصفت لاحقاً بأنها كانت تجربة سياسية متعثرة لم تحقق تطلعات أبناء الشمال. وفي خضم تلك التحولات المصيرية، تم انتخاب عبد الرحمن أحمد علي “تور” -آخر قائد للحركة (SNM)- رئيساً للجمهورية بأغلبية داعمة وحماس شعبي كبير، ليقود المرحلة الأولى من بناء الدولة الحديثة عقب إعلان الاستقلال.
وبعد استعادة الاستقلال، شرع شعب جمهورية صوماليلاند في رحلة شاقة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وترميم ما خلفته سنوات الحرب والانهيار. ورغم محدودية الإمكانات وتعقيدات المرحلة، سعت الدولة الوليدة إلى تثبيت الأمن، وإعادة تنظيم الإدارة، وبناء أسس الحكم والاستقرار.
وفي عام ١٩٩٣، تم وللمرة الثانية عقد مؤتمر يهدف إلى تقرير المصير في مدينة بورما، وتم من خلاله انتخاب محمد حاج إبراهيم عقال رئيساً للبلاد. ومع توليه زمام الحكم في ولايته الأولى، دخلت البلاد مرحلة مفصلية في تاريخها السياسي، إذ يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز مهندسي بناء الدولة الحديثة. وخلال فترة حكمه التي امتدت لتسع سنوات، تمكنت صوماليلاند من ترسيخ مؤسساتها السيادية، ففرض قانون تجريد السلاح، وأصبحت تمتلك دستوراً، وعملة خاصة، وجواز سفر، إلى جانب تأسيس قوات أمن وجيش شكّلت النواة الأساسية لحماية الاستقرار وطوق نجاة من الأزمة الخانقة التي تخبطت فيها المنطقة في تلك الفترة.
يُذكر أن حقبة التسعينيات وبداية الألفينيات شهدتا حدوث مؤتمرات داعية للمصالحة، لكن لم تشهد أي من هذه المؤتمرات حضور التفاهم بين الأطراف المتصارعة في الصومال الجنوبي؛ ففي جانب، كانت جمهورية صوماليلاند تنعم بمرحلة من الهدوء والاستقرار، بينما كانت مقديشو تشتعل جراء الحروب السياسية الداعية لحمل السلاح بين الشطر الذي كان يحكمه الرئيس علي مهدي (المنتخب من قبل البرلمان الصومالي في جلسته التي انعقدت في جيبوتي عام ١٩٩١) والشطر الذي كان يقوده الجنرال محمد فارح عيديد.
وفي ظل غياب النظام الحكومي في جنوب الصومال، كانت هرجيسا تبنى من جديد، بينما أصبحت مقديشو ساحة عنف لا تشرق فيها شمس إلا وقد زُهقت الأرواح في أركانها، وانحدرت في مستنقع من الفوضى الدموية العارمة نتيجة انتشار السلاح وقيام مليشيات قبلية تنشر الرعب وسط المدينة بأعمال النهب والقتل، مما جعل عملية إرساء السلام بين الفصائل والأفراد الصومالية المتناحرة مستحيلة، بالإضافة إلى وجود أمراء الحرب الذين كانوا يحركون دفة العنف من وراء الأبواب المؤصدة، وكانوا عقبة كأداء أمام تحقيق السلام واستتباب الأمن.
بعيداً عن الفوضى العارمة في الجنوب، وفي ظل غياب الاعتراف الدولي، استطاعت جمهورية صوماليلاند ترسيخ تجربة سياسية وأمنية وتنموية لافتة، محققة سلسلة من الإنجازات المهمة رغم التعقيدات الاقتصادية ومحدودية الاستثمارات الأجنبية التي واجهتها بعد الاستقلال. ورغم التحديات، استطاعت الدولة أن تبني مقومات قائمة على الاستقرار والمؤسسات، وقد ساعدها في ذلك موقعها الجغرافي الاستراتيجي على ساحل البحر الأحمر، إلى جانب ميناء بربرة الحيوي، وعائدات الضرائب والجمارك التي وفرت موارد مالية أسهمت في تسيير مؤسسات الدولة ودعم مشاريع التنمية والبنية التحتية. ولم تقتصر مصادر القوة الاقتصادية على ذلك فحسب، بل شكّلت الثروة الحيوانية أيضاً ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، عبر تنشيط حركة التجارة وتوسيع الصادرات إلى الأسواق الخليجية، الأمر الذي عزز الإيرادات وساهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
واستطاعت جمهورية صوماليلاند تحقيق إنجازات اعتبرها كثير من أنصارها تجربة استثنائية مقارنة بكيانات غير معترف بها دولياً، ومن أبرز هذه الإنجازات: بناء مؤسسات ومنشآت دولية كاملة، تحقيق مستوى ملحوظ من الأمن والاستقرار مقارنة بالعديد من المناطق الأخرى في القرن الإفريقي، وإنشاء نظام سياسي يقوم على الانتخابات والتداول السلمي للسلطة.
بعد أربعة وثلاثين عاماً من استعادة استقلالها، وبعد أن نجحت في ترسيخ مؤسساتها السياسية والأمنية واستوفت كثيراً من معايير الدولة الحديثة، دخلت جمهورية صوماليلاند مرحلةً جديدة أعادت قضيتها إلى صدارة المشهد الدولي. فقد شهدت الساحة السياسية تحولاً لافتاً عقب إعلان إسرائيل اعترافها بجمهورية صوماليلاند في ٢٦ ديسمبر من العام الماضي، وهو الحدث الذي أعاد تسليط الضوء عليها وجعلها محوراً للنقاش في وسائل الإعلام والمنصات السياسية حول العالم.
وفي ظل هذا التطور التاريخي، تبدو احتفالات عيد الاستقلال هذا العام مختلفة عن كل الأعوام السابقة، إذ تأتي متزامنة مع أول اعتراف دولي انتظرته صوماليلاند لأكثر من أربعة وثلاثين عاماً، مما أضفى على المناسبة طابعاً استثنائياً يحمل مشاعر العزة والانتماء.









