Shopping cart

Subtotal $0.00

View cartCheckout

Saylac Media Center هو مركز إعلامي يعمل على نقل المحتوى وإبراز القضايا المحلية بأسلوب مهني ومنظم. يركز المركز على تقديم الأخبار، والتقارير، والمواد الإعلامية المختلفة التي تعكس واقع المجتمع واهتماماته، مع السعي إلى تعزيز الوعي ونشر المعلومات عبر منصات متعددة. ويأتي دور المركز في إطار دعم الإعلام المحلي وتطويره بما يواكب متطلبات العصر.

TnewsTnews
  • Home
  • رأي
  • مقال رأي:صوماليلاند والقدس: قراءة جذرية في مفهوم الولاء والبراء والعلاقات الدولية
رأي

مقال رأي:صوماليلاند والقدس: قراءة جذرية في مفهوم الولاء والبراء والعلاقات الدولية

الكاتب: سراج ابوبكر

# مقدمة

بعيداً عن الضجيج الإعلامي الذي تصنعه القنوات الموجّهة، وبعيداً عن الاستقطابات السياسية التي تحكمها المصالح والتحالفات الدولية، تبرز الحاجة إلى قراءة هادئة وعميقة لمسألة العلاقات الدولية من منظور شرعي وسياسي واقعي، لا من منظور العاطفة العابرة أو الشعارات المستهلكة.

لقد أثار الحديث المتداول حول توجه جمهورية صوماليلاند نحو توسيع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة إسرائيل، واحتمالية افتتاح بعثة دبلوماسية في مدينة القدس، موجة واسعة من الجدل السياسي والديني والإعلامي، حتى باتت القضية تُطرح أحياناً وكأنها مسألة عقدية صِرفة، مع أن حقيقتها تتعلق – في جوهرها – بإدارة المصالح الدولية، وتقدير الموازنات السياسية، والسعي نحو تثبيت الوجود السياسي والاقتصادي في نظام دولي شديد التعقيد.

ومن هنا تأتي أهمية هذه القراءة؛ لفهم المسألة بعيداً عن التهويل الدعائي أو التوظيف الأيديولوجي، وبعيداً عن محاولات تصوير العلاقات الدبلوماسية وكأنها بالضرورة تعني الذوبان العقائدي أو التنازل عن الثوابت الدينية.

# أولاً: العلاقات الدولية في الإسلام بين الثبات العقدي والمصلحة السياسية*

من الأخطاء الشائعة في الخطاب المعاصر اختزال مفهوم “الولاء والبراء” في القطيعة المطلقة مع غير المسلمين، مع أن النصوص الشرعية والسيرة النبوية تقدّم تصوراً أكثر عمقاً واتزاناً.

فالقرآن الكريم يقول:

> ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾

> [الممتحنة: 8]

كما يقول سبحانه:

> ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾

> [الأنفال: 61]

وقد تعامل النبي ﷺ سياسياً واقتصادياً مع قوى غير مسلمة، فأرسل الرسل إلى فارس والروم والحبشة، وعقد المعاهدات والهدن، وتعامل تجارياً مع اليهود، بل إن وثيقة المدينة نفسها مثّلت نموذجاً متقدماً للتعايش السياسي وتنظيم العلاقات داخل مجتمع متعدد الانتماءات.

وعليه، فإن وجود سفارات أو بعثات دبلوماسية بين الدول لا يُعد في ذاته موالاة محرّمة، بل هو أداة سياسية لتنظيم المصالح والعلاقات الدولية، ما لم يتضمن ذلك تنازلاً عن الدين أو مشاركة في ظلم أو عدوان.

وقد قرر علماء السياسة الشرعية أن الأصل في العلاقات الدولية هو تحقيق المصالح ودرء المفاسد، لا إدارة العالم بمنطق العاطفة أو ردود الأفعال الآنية.

# ثانياً: صوماليلاند ومعركة الاعتراف الدولي

منذ أكثر من ثلاثة عقود، تسعى جمهورية صوماليلاند إلى تثبيت حضورها السياسي والقانوني على الساحة الدولية، رغم امتلاكها مقومات الدولة المستقرة نسبياً مقارنةً بمحيطها الإقليمي، من مؤسسات سياسية وأجهزة أمنية وانتخابات وإدارة محلية.

إلا أن هذا المسار واجه عراقيل سياسية واقتصادية كبيرة، ليس فقط من قوى دولية، بل أيضاً من دول إسلامية وإقليمية امتنعت عن تطوير علاقات رسمية أو اقتصادية كاملة معها بحجة عدم الاعتراف الدولي.

وقد انعكس ذلك على مجالات التجارة والاستثمار والتحويلات البنكية وحركة الصادرات والواردات، حيث تجد الشركات المحلية في كثير من الأحيان نفسها أمام قيود معقدة تتعلق بالاعتراف السياسي أو المعايير التجارية الانتقائية أو حسابات التحالفات الدولية.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الطبيعي لأي كيان سياسي يسعى للبقاء أن يبحث عن منافذ دبلوماسية وشراكات جديدة تكسر حالة العزلة وتمنحه مساحة أوسع للحركة الاقتصادية والسياسية.

# ثالثاً: السفارات ليست إعلاناً عقائدياً بل أداة سيادية

افتتاح السفارات في العرف الدولي يُعد من أبرز مظاهر الاعتراف المتبادل بين الدول، لكنه لا يعني بالضرورة تطابقاً فكرياً أو دينياً أو أخلاقياً بين الأطراف.

فالعديد من الدول الإسلامية نفسها تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع دول تختلف معها جذرياً في القيم والسياسات، بما في ذلك دول متورطة في حروب أو انتهاكات أو نزاعات دولية، ومع ذلك لا يُنظر إلى تلك العلاقات باعتبارها خروجاً من الدين أو خيانة عقدية.

والواقع السياسي الحديث قائم على مبدأ *“إدارة المصالح”* ، لا *“التطابق الأيديولوجي الكامل”* .

ومن هنا، فإن محاولة تصوير أي تحرك دبلوماسي لصوماليلاند باعتباره سقوطاً عقدياً أو خروجاً عن الولاء الإسلامي تمثل قراءة انتقائية ومختزلة لمفهوم السياسة الشرعية والعلاقات الدولية.

# رابعاً: القدس بين الرمزية الدينية والواقع السياسي

لا شك أن مدينة القدس المباركة تحمل مكانة عظيمة في وجدان المسلمين، فهي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وقضيتها تمثل جزءاً مركزياً من الوعي الإسلامي المعاصر.

إلا أن التعامل مع هذه القضية يجب أن يتم بعقل سياسي متزن، لا بمنطق المزايدات الخطابية.

فالواقع الدولي اليوم يشهد وجود سفارات وقنصليات وعلاقات دبلوماسية متعددة مرتبطة بمدينة القدس ضمن تعقيدات النظام الدولي القائم، سواء اتفق الناس مع ذلك أو اختلفوا حوله.

ومن المهم التفريق بين:

* الموقف الديني من مكانة القدس،

* وبين آليات إدارة العلاقات الدولية في عالم تحكمه موازين القوى والمصالح والتحالفات.

# خامساً: الإعلام وصناعة الوعي الانتقائي

أحد أخطر التحديات في القضايا السياسية المعاصرة هو تحوّل بعض المنصات الإعلامية إلى أدوات لإنتاج وعي انتقائي يخدم مصالح دول أو محاور بعينها.

فالقضايا لا تُعرض دائماً بمعايير أخلاقية ثابتة، بل كثيراً ما تخضع للاعتبارات الجيوسياسية والاقتصادية والتحالفات الإقليمية.

ولهذا فإن الوعي الحقيقي يقتضي من القارئ والباحث أن يفرّق بين:

* التحليل الموضوعي،

* وبين التعبئة العاطفية،

* وبين استخدام الدين أو القومية كوسيلة للضغط السياسي.

# خاتمة

إن العلاقات الدولية ليست ساحة مثالية تُدار بالشعارات وحدها، بل هي ميدان معقد تتداخل فيه المصالح والسيادة والأمن والاقتصاد والتحالفات.

ومن حق أي كيان سياسي يسعى إلى تثبيت وجوده وتحقيق مصالح شعبه أن يبحث عن شراكات وتحالفات تضمن له الاستقرار والتنمية، ما دام ذلك لا يتضمن عدواناً أو تفريطاً صريحاً بالثوابت الدينية والإنسانية.

كما أن النقاش حول هذه القضايا ينبغي أن يظل نقاشاً علمياً وسياسياً رصيناً، بعيداً عن التخوين والانفعال، وبعيداً عن اختزال الدين في قراءات ضيقة لا تعكس سعة الفقه الإسلامي ولا تعقيد الواقع الدولي.

فالسياسة الرشيدة ليست في رفع الشعارات الكبرى فقط، وإنما في القدرة على حماية الشعوب، وصيانة الاستقرار، وتحقيق المصالح، وبناء مستقبل أكثر أمناً وكرامة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts