عقال و26 يونيو: حكاية قائد صاغ تاريخ حرية الشعوب الصوماليه
الكاتب/ محمد عمر
تحمل تواريخ الشعوب أياماً لافتة تُصاغ فيها الهوية، ويُعاد فيها ترتيب وجه التاريخ. وبالنسبة لصوماليلاند، فإن السادس والعشرين من يونيو ليس مجرد تاريخ على التقويم، بل هو رمز للانعتاق، وفجر الحرية الصادق، واللبنة الأولى في جدار السيادة. وفي قلب هذا اليوم التاريخي، يبرز اسم رجل ارتبط مصيره بمصير أمة: الرئيس الراحل محمد حاجي إبراهيم عقال (أبو الأمة ومعماري نهضتها الحديثة).
رجل اللحظات التاريخية الفاصلة
لم يكن محمد إبراهيم عقال مجرد سياسي عابر، بل كان رجل دولة من طراز رفيع، يمتلك رؤية ثاقبة وقدرة كاريزمية على قيادة الحشود وإدارة الأزمات المعقدة. ولد عقال في مدينة بربرة الساحلية، وتلقى تعليماً متميزاً في بريطانيا، مما منحه فهماً عميقاً للسياسة الدولية وآليات الحكم الحديث.
عندما بلغت الحركة الوطنية في صوماليلاند ذروتها في خمسينيات القرن الماضي للمطالبة بالاستقلال عن الاستعمار البريطاني، كان عقال في طليعة هذا الحراك. وبفضل حنكته وثقة الشعب به، تولى منصب رئيس الوزراء في الحكومة المباشرة التي قادت البلاد نحو الاستقلال.
26 يونيو 1960: ليلة رفع العلم
في ليلة 26 يونيو 1960، كانت العاصمة هرجيسا على موعد مع التاريخ. وتحت ظلال الفرحة العارمة، وقف محمد إبراهيم عقال ليتسلم وثائق الاستقلال من الإدارة البريطانية، وليشرف على رفع علم الحرية لأول مرة في سماء صوماليلاند.
لقد كان ذلك اليوم “يوم عقال” بامتياز؛ يومٌ تجسدت فيه جهوده الدبلوماسية ونضاله السياسي. في تلك اللحظة، لم يكن عقال يرفع علماً فحسب، بل كان يعلن ميلاد دولة ذات سيادة، اعترفت بها أكثر من 30 دولة عضو في الأمم المتحدة في ذلك الوقت. وعلى الرغم من أن فرحة ذلك الاستقلال قادت سريعاً نحو وحدة عاطفية متسرعة مع الجنوب (الصومال الإيطالي) في الأول من يوليو من نفس العام—وهي الوحدة التي لم تدم طويلاً—إلا أن يوم 26 يونيو ظل في وجدان عقال والشعب القاعدة الأساسية للشرعية القانونية والتاريخية.
معماري الدولة الحديثة (1993 – 2002)
شاء القدر ألا تنتهي علاقة عقال بيوم الحرية عند حدود عام 1960. فبعد سنوات طويلة من الصراعات والحروب المدمرة التي أدت إلى انهيار الوحدة الإيجابية وإعلان صوماليلاند استعادة سيادتها عام 1991، عاد هذا القائد الكبير إلى الواجهة مجدداً في عام 1993 عندما انتُخب رئيساً للبلاد في مؤتمر “بورما” التاريخي للمصالحة.
هنا بدأت ملحمة أخرى لا تقل أهمية عن ملحمة الاستقلال الأول:
نزع السلاح: نجح عقال بحكمته في نزع سلاح الميليشيات القبلية وتحويلها إلى نظام أمني وجيش وطني منظم.
تأسيس المؤسسات: قام بإنشاء العملة الوطنية (الشلن الصوماليلاندي)، ووضع ركائز النظام الدستوري والقانوني.
الميثاق والدستور: قاد البلاد نحو إقرار دستور حديث عبر استفتاء شعبي حظي بإجماع ساحق، ممهداً الطريق لنظام ديمقراطي تعددي فريد في المنطقة.
إرث لا يغيب
عندما نحتفل بيوم 26 يونيو، فإننا نحتفل بالحرية وبالحكمة السياسية التي مثلها محمد حاجي إبراهيم عقال. لقد كان يرى في هذا اليوم الحجة القانونية الأقوى لصوماليلاند أمام المجتمع الدولي؛ إثباتاً بأن البلاد لا تطالب بـ “انفصال”، بل تطالب باستعادة دولة كانت قائمة بالفعل ولها حدودها المعترف بها دولياً.
“إن الشعوب لا تقاد بالشعارات، بل تبنى بالمؤسسات والنظام.”
— من وحي فلسفة الرئيس الراحل عقال في الحكم.
رحل الرئيس عقال في مايو 2002، لكنه ترك وراءه وطناً مستقراً، وواحة للأمن والسلام في منطقة مضطربة. وفي كل عام، ومع دقات الساعة معلنةً فجر السادس والعشرين من يونيو، يرفرف علم صوماليلاند ليذكر الجميع بأن الحرية صُنعت بالتضحيات، وأن الدولة بُنيت بحكمة رجالٍ مخلصين، كان على رأسهم محمد إبراهيم عقال.









