حين يتكلم باب المندب… تصغي العواصم الكبرى وتقترب صوماليلاند من لحظة الاعتراف
الكاتب: د. محمد عمر محمد
في العلاقات الدولية لا تُصنع التحولات الكبرى بالشعارات، بل تفرضها الجغرافيا وتسرّعها الأزمات. واليوم، وبينما يقف العالم أمام واحدة من أكثر المراحل اضطراباً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، تبدو المنطقة وكأنها تعيد رسم خريطة النفوذ والتحالفات من جديد، حيث لم يعد السؤال المطروح هو من يملك الشرعية السياسية فقط، بل من يملك القدرة على حماية المصالح الدولية وتأمين أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
وفي خضم هذا المشهد المتغير، تتحرك جمهورية صوماليلاند بدبلوماسية هادئة ولكنها محسوبة، مستفيدة من حقيقة أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، وهي أن موقعها الجغرافي لم يعد مجرد ميزة، بل تحول إلى ورقة استراتيجية ذات قيمة متزايدة في حسابات القوى الدولية. فكلما ازدادت التهديدات في باب المندب، ازدادت أهمية السواحل المطلة عليه، وكلما ارتفع منسوب القلق بشأن أمن الملاحة، ارتفعت قيمة الشركاء القادرين على توفير الاستقرار في هذه المنطقة الحساسة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن صوماليلاند ليست مجرد كيان يبحث عن الاعتراف، بل نموذج استطاع، رغم محدودية الإمكانات وغياب الاعتراف الرسمي، أن يبني مؤسسات دولة، ويحافظ على الأمن الداخلي، ويؤسس بيئة أكثر استقراراً من معظم محيطه الإقليمي. واليوم، ومع تصاعد التحديات الأمنية في البحر الأحمر، أصبحت هذه الإنجازات تنظر إليها عواصم القرار باعتبارها عناصر قوة استراتيجية، لا مجرد نجاحات محلية.
إن التحركات الدبلوماسية الأخيرة التي تقودها هرجيسا لا يمكن قراءتها بمعزل عن المتغيرات الإقليمية والدولية. فالعالم يشهد إعادة تموضع سياسي وأمني غير مسبوقة، والمصالح الكبرى أصبحت تتقدم على كثير من الاعتبارات التقليدية. ولم يعد مستغرباً أن يزداد الاهتمام الدولي بصوماليلاند في وقت تتسابق فيه القوى الدولية لتأمين الموانئ، وحماية خطوط الطاقة، وضمان استمرار حركة التجارة العالمية بعيداً عن التهديدات المتزايدة.
وعلى امتداد العقود الماضية، ظل ملف الاعتراف الدولي بصوماليلاند أسير معادلات سياسية وقانونية معقدة، إلا أن التاريخ يعلمنا أن القرارات الكبرى لا تصدر دائماً عندما تكتمل الحجج القانونية، بل عندما تنضج المصالح الاستراتيجية. واليوم تبدو تلك المصالح في حالة تغير متسارع، إذ إن أمن البحر الأحمر لم يعد قضية إقليمية، بل أصبح جزءاً من الأمن الاقتصادي العالمي، وهو ما يمنح صوماليلاند فرصة ربما تكون الأهم منذ إعلان استعادة استقلالها عام 1991.
ولا يعني ذلك أن الاعتراف الدولي أصبح وشيكاً أو مضموناً، فمثل هذه القرارات تبقى رهينة حسابات سيادية معقدة تختلف من دولة إلى أخرى. لكن من الواضح أن البيئة السياسية الدولية باتت أكثر استعداداً للنظر إلى صوماليلاند من زاوية جديدة، زاوية ترى فيها شريكاً مستقراً في منطقة تعصف بها الأزمات، وليس مجرد ملف مؤجل على أجندة الدبلوماسية الدولية.
ومن المرجح أن تبدأ هذه المرحلة بتوسيع العلاقات الرسمية، ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، وصولاً إلى شراكات أكثر عمقاً قد تفتح الباب مستقبلاً أمام مواقف سياسية أكثر جرأة من بعض الدول التي أصبحت تدرك أن استقرار باب المندب لا ينفصل عن استقرار الساحل المقابل له.
إن الجغرافيا منحت صوماليلاند موقعاً استثنائياً، لكن الدبلوماسية هي التي تمنح هذا الموقع قيمته السياسية. وإذا واصلت هرجيسا إدارة علاقاتها الخارجية بالحكمة نفسها، مع الحفاظ على استقرارها الداخلي وتعزيز حضورها الإقليمي، فإن الأزمة التي يعيشها البحر الأحمر قد تتحول من مصدر تهديد إلى فرصة تاريخية تعيد رسم مستقبل صوماليلاند على الخريطة الدولية. ففي عالم تحكمه المصالح، كثيراً ما تكون الأزمات هي اللحظة التي تعيد تعريف الحلفاء، وتفتح أبواباً كانت تبدو حتى الأمس القريب موصدة.









