دراسة تاريخية
تسمية القرن الأفريقي بـاسم ميناء في صوماليلاند «أرض بربرة» أقدم من تسمية الصومال حسب المصادر التاريخية
الكاتب :طاهر محمد
تُعد بربرة من أقدم الموانئ المعروفة في الساحل الشمالي للقرن الأفريقي، وترتبط بتاريخ طويل من التجارة والملاحة والتواصل مع الجزيرة العربية والعالم. كما أن اسم بربرة يرتبط بتسمية تاريخية أقدم للمنطقة، هي Barbaria / Barbaroi، التي ظهرت في المصادر اليونانية والرومانية ثم استمرت في المصادر العربية والإسلامية.
1. «أرض بربرة» أقدم من اسم «الصومال» في القرن الأفريقي
تذكر Oxford Bibliographies أن الساحل الشمالي للقرن الأفريقي عُرف في العصور القديمة بتسميات مختلفة؛ فقد عرفه المصريون القدماء باسم بونت، ووصفه اليونانيون بأنه أرض Barbaroi، بينما أطلق الرومان عليه تسميات أخرى، ثم وصفه العرب في العصور الوسطى بأنه أرض البربر، وهي التسمية التي بقي أثرها في اسم مدينة بربرة.
وتؤكد دراسة منشورة في American Journal of Archaeology أن اسم Berbera مرتبط باسم Barbaroi الوارد في المصادر اليونانية والرومانية، وأن هذا الاسم أصبح في الفترة الإسلامية المبكرة مرتبطاً كتسمية لكامل منطقة تواجد القومية الصومالية في القرن الأفريقي. كما ظل اسم Barbaroi مستخدماً في كتابات الرحالة العرب حتى القرن الرابع عشر.
وبذلك، فإن اسم بربرة/بلاد البربر أقدم من الاستخدام الجغرافي الواسع لاسم «الصومال» للدلالة على منطقة القرن الأفريقي.
2. بربرة في المصادر القديمة
يُعد كتاب الطواف حول البحر الإريتري (Periplus Maris Erythraei)، المؤرخ إلى القرن الأول الميلادي، من أهم المصادر القديمة عن ساحل القرن الأفريقي. ويذكر عدداً من الموانئ على الساحل الشمالي، ومن بينها Malaô التي تُعرّف عادةً ببربرة، إضافة إلى Avalites المرتبطة عادةً بزيلع.
كما تشير الدراسة الأثرية الحديثة إلى أن منطقة بربرة كانت جزءاً من شبكة تجارة بعيدة المدى، وأن الأدلة الأثرية فيها تشمل مواقع تجارية تعود إلى العصور السابقة للإسلام وإلى العصور الوسطى.
3. بربرة في المصادر العربية والإسلامية
استمرت تسمية بلاد البربر في الجغرافيا العربية والإسلامية، وظهرت المنطقة وموانئها في أعمال الجغرافيين والرحالة المسلمين.
و يظهر اسم أرض بربرة وبلاد بربرة في عدد من أهم كتب الجغرافيا العربية.
1- كتاب الشريف الإدريسي — «نزهة المشتاق»
ففي «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» للشريف الإدريسي (ت. 1166م)، يصف المنطقة صراحةً بأنها «أرض بربرة»، ولا يقتصر على ذكر بربرة كمدينة، بل يحدد مدناً بعينها باعتبارها جزءاً من هذا الإقليم، فيقول:
«تضمن من ناحية الجنوب مدينة قرقونة ومركة والنجا وهذه البلاد الثلاثة من أرض بربرة».
ثم يحدد نهاية الإقليم بقوله:
«والنجا آخر أرض بربرة».
(الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، الجزء السادس، ص 48).
وهذا النص مهم جداً؛ لأنه يثبت أن «أرض بربرة» كانت تسمية جغرافية لإقليم واسع، وكانت مدن مثل قرقونة ومركة (جنوب مقديشو الحالية) والنجا تُعد صراحةً من أرض بربرة، وليس المقصود بها مدينة بربرة وحدها.
2- كتاب ياقوت الحموي — «معجم البلدان»
أما ياقوت الحموي (ت. 1229م) في «معجم البلدان»، فيورد مادة مستقلة عن «نجه»، ويصفها بقوله:
«نجه: بالضم ثم الفتح والتخفيف: مدينة في أرض بربرة الزنج على ساحل البحر بعد مدينة يقال لها مركه، ومركه بعد مقدشوه في بحر الزنج»
(ياقوت الحموي، معجم البلدان، ص 272).
وهذا النص يعكس استمرار استعمال أرض بربرة كدلالة جغرافية على المنطقة، ويضع نجه ومركة ضمن هذا السياق الجغرافي.
3- كتاب ابن سعيد المغربي — «كتاب الجغرافيا»
ويظهر هذا الاستعمال أيضاً عند ابن سعيد المغربي (ت. 1286م تقريباً) في كتاب الجغرافيا؛ فعند حديثه عن مركة يقول :
«وفي شرقيه من بلاد بربرا المشهورة على البحر مركة».
ثم يذكر مقديشو بعد ذلك، ويحدد في وصفه أن:
«وفي شرقي هذا النيل آخر حد البلاد البربرية وأول حد بلاد الزنج».
ويظهر نص ابن سعيد أيضاً منقولاً في المصادر الجغرافية اللاحقة، ومنها تقويم البلدان لأبي الفداء.
4- كتاب أبو الفداء — «تقويم البلدان»
كما ينقل أبو الفداء في تقويم البلدان عن ابن سعيد أن قرفونة كانت:
«أول مدن بربرا على ساحل البحر الهندي»،
وأن في شرقيها برمة، ثم يذكر صراحة:
«وهذه المدينة من بلاد البربر».
ثم يذكر مركة ومقديشو بعد ذلك.
(أبو الفداء، تقويم البلدان، ص 186).
5- الرحالة أحمد بن ماجد 1430 م — «خليج بربرة»
أما أحمد بن ماجد، فيذكر بربرة وزيلع ضمن موانئ الساحل الشمالي، ويرد في المصادر المنسوبة إليه استعمال «خليج بربرة» للإشارة إلى الجزء المقابل لخليج عدن ، وهو ما يعكس أهمية الاسم في الجغرافيا البحرية في ذلك العصر.
وبذلك، فإن كتب الإدريسي وابن سعيد وأبي الفداء، ثم المصادر الملاحية المنسوبة إلى ابن ماجد، تقدم دليلاً مباشراً على أن «أرض بربرة» و«بلاد البربر» و«خليج بربرة» كانت تسميات مرتبطة بإقليم جغرافي وبحري واسع، شمل عدة مدن ساحلية، وليس اسماً محصوراً في مدينة بربرة وحدها. وهذا يقوي الدليل على قدم تسمية أرض بربرة في الجغرافيا العربية للقرن الأفريقي.









