مقالة رأي :
بقلم / عبدالملك محمد
صومالي لاند : فرصة للأمن القومي العربي وشريك استراتيجي مستقر
في منطقة تقاذفها أمواج الصراعات وتجاذبها المصالح الدولية الكبرى، تبرز أرض الصومال أو “جمهورية صوماليلاند” كواحة فريدة للاستقرار والديمقراطية الراسخة منذ أكثر من ثلاثة عقود. فبينما يواجه الجوار الإقليمي تحديات الهشاشة الأمنية، صاغت صوماليلاند نموذجاً سياسياً ناضجاً يمزج بين الأصالة والاحترافية، مما جعلها اليوم رقماً صعباً في معادلة أمن البحر الأحمر. إن فهم قيمة هذا الواقع يتجاوز مجرد الاعتراف السياسي، ليصل إلى كونه شريكاً استراتيجياً واقتصادياً لا غنى عنه، خاصة للدول العربية الساعية لتأمين مصالحها في القرن الأفريقي.
أولاً: النموذج السياسي والحكم الرشيد
بفضل نظام حكم ديمقراطي محلي وسياسة خارجية متماسكة، أصبحت أرض الصومال “صوماليلاند” فاعلاً فريداً في المنطقة. فمنذ ثلاثين عاماً، نجحت في الحفاظ على السلام وأرست دعائم اقتصادية متينة متجاوزةً حالة الفوضى المحيطة بها. ويُعد التزامها بأنظمة الحكم التقاليدية وقدرتها على تنظيم انتخابات سلمية منتظمة نموذجاً يحتذى به في أفريقيا؛ حيث يختار الشعب قادته بحرية، وتنتقل السلطة بسلاسة ودون صراعات. هذا التناغم بين أنظمة الحكم التقليدية والمؤسسات الحديثة خلق نظاماً قوياً يضمن فاعلية الدولة وبقاءها مسؤولة أمام مواطنيها.
ثانياً: فلسفة السياسة الخارجية
انطلاقاً من رؤية تُعطي الأولوية للأمن الإقليمي والمصالح المتبادلة، ظلت السياسة الخارجية لأرض الصومال ثابتة وموثوقة، بعيداً عن التقلبات والدبلوماسية المتصارعة التي تميز دولاً أخرى في المنطقة. وهذا الاستقرار يفتح آفاقاً واسعة للدول العربية، ولا سيما دول الخليج ومصر، لتحقيق مكاسب كبرى من خلال تعزيز الانخراط معها في الملفات التالية:
- التوازن الجيوسياسي: يمنح الانخراط مع صوماليلاند الدول العربية أوراق ضغط وتوازن إضافية لمواجهة التمدد التركي والصيني في المنطقة، ويمنع القوى الأجنبية من الانفراد بتشكيل النظام الإقليمي.
- تأمين الممرات البحرية: السيطرة على ساحل طويل واستراتيجي على خليج عدن تجعل من صوماليلاند شريكاً محورياً في حماية الملاحة الدولية ومكافحة القرصنة وتأمين مدخل البحر الأحمر.
- تعظيم الاستثمارات (ميناء بربرا): يمثل ميناء بربرا نقطة ارتكاز لوجستية كبرى، فهو البوابة الرئيسية للوصول إلى السوق الإثيوبي الضخم (120 مليون نسمة)، كما يوفر بيئة استثمارية منخفضة المخاطر بفضل الإطار القانوني والمؤسسي المستقر.
- مكافحة الإرهاب: تمثل المؤسسات الأمنية القوية في صوماليلاند سداً منيعاً يمنع تمدد الجماعات الإرهابية مثل “حركة الشباب” والتهريب، مما يحمي الجوار العربي من مخاطر الفشل المؤسسي العابر للحدود.
ثالثاً: مخاطر تجاهل الواقع
إن الفراغ الناتج عن تجاهل أرض الصومال أو التردد في بناء شراكات رسمية معها لا يعني توقف نموها، بل يعني ببساطة فتح الباب على مصراعيه أمام المنافسين الإقليميين والدوليين لتعزيز نفوذهم وتشكيل الواقع هناك بما يخدم مصالحهم وحدها، مما قد يؤدي إلى فقدان العرب لواحدة من أهم ركائز الأمن القومي في جنوب البحر الأحمر.
الخاتمة
في نهاية المطاف، تُقدم أرض الصومال نموذجاً حياً للدولة المسؤولة التي انتزعت استقرارها بجهود ذاتية جبارة. إن المكاسب التي يوفرها الانخراط مع صوماليلاند —سواء في مكافحة الإرهاب، أو تأمين الملاحة، أو فتح الأسواق الواعدة— تفوق بكثير تكلفة التردد السياسي. إن استثمار هذا الاستقرار الآن هو الضمانة الوحيدة لمنع تحول المنطقة إلى ساحة نفوذ أحادية، ولتأكيد الحضور العربي الفاعل في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية وحساسية؛ فالمستقبل في القرن الأفريقي لمن يحجز مقعده أولاً.
#صوماليلاند #somaliland









