مقال رأي: الكاتب/ طاهر محمد
في الآونة الأخيرة، ومع تصاعد القلق الشعبي في الصومال جراء ارتهان مقدرات البلاد لجهات خارجية بنسب استحواذ غير مسبوقة—تصل في بعض القطاعات إلى 95% كما يشاع حول امتيازات النفط لتركيا—بدأ المواطن الصومالي يتساءل بمرارة عن الجدوى والدوافع. هل أُقحمت البلاد في صراعات دولية كبرى تحت شعار “حماية الوحدة المزعومة ” فقط ليكون الثمن هو السيادة نفسها ومقدراتها الخاصة ؟ إن مبدأ “إنكار حقيقة صوماليلاند” لم يعد مجرد موقف سياسي، بل تحول إلى بيئة استنزاف لمقديشو، وفرت في المقابل أرضية صلبة لتعزيز حضور صوماليلاند.
أولاً: معضلة “عرتة” وتأسيس دولة المحاصصة
بدأت جذور الأزمة بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991 واستعادة صوماليلاند لاستقلالها، حيث اختارت الأخيرة مساراً ديمقراطياً قائماً على الاستفتاء والانتخابات و الإرادة الشعبية. وفي المقابل، بعد دخول جنوب الصومال في أتون الحرب الأهلية الطاحنة جاء التدخل الأول من نظام جيبوتي عبر “مؤتمر عرتة” عام 2000، الذي هندس هيكلاً سياسياً هشاً قام على “المحاصصة القبلية” (معادلة 4.5).
كان الهدف المضمر هو الالتفاف على استقلال صوماليلاند عبر إبراز “ممثلين صوريين” لقبائل الشمال داخل السلطة في الجنوب، ظناً بأن ذلك سيسحب البساط من القيادة الشرعية في هرجيسا. لكن النتيجة جاءت عكسية؛ فبدلاً من إضعاف صوماليلاند، أدى هذا النهج إلى تأصيل الشقاق القبلي في الجنوب، ومحو الهوية الوطنية الجامعة، وتحويل المحاصصة إلى عائق بنيوي أمام قيام دولة حقيقية، مما منح صوماليلاند صورة النموذج المستقر والناجح مقارنة بجوارها المضطرب.
ثانياً: الفيدرالية القبلية وتعميق الانقسام
تفاقمت أزمة المحاصصة مع تحويلها إلى واقع دستوري وجغرافي في “مؤتمر إمباغاتي” بكينيا عام 2004، حيث اعتُمد النظام الفيدرالي. أدى هذا المسار إلى نشوء ولايات إقليمية في الجنوب أصبحت في كثير من الأحيان أكثر استقراراً وقوة من ” مقديشو” نفسها، التي ظلت رهينة للفوضى الأمنية ومحاولات الاستقطاب الأجنبي لمواجهة الحركات الإرهابية، وهي معركة لم تحسمها مقديشو حتى اليوم رغم الدعم الدولي الهائل.
ثالثاً: الارتهان للأجنبي.. السيادة مقابل “السراب”
بينما كانت صوماليلاند تمضي قدماً في توقيع اتفاقيات دولية لتطوير موانئها وتعزيز تعاونها الإقليمي كدولة تمارس سيادتها الفعلية وتوج ذلك بحصولها على الاعتراف الدولي الرسمي الذي سيسمح لها باستغلال ثرواتها الوفيرة وموقعها الجغرافي شديد الأهمية ، برزت قوى دولية استغلت “الخاصرة الرخوة” لمقديشو. لقد تحول كل تقدم تحرزه صوماليلاند إلى ورقة “ابتزاز” تُشهر في وجه مقديشو، لتدفعها نحو توقيع اتفاقيات تنازل مجحفة عن ثرواتها القومية مقابل وعود بالحماية أو تثبيت الوحدة.
إن الاتفاقيات البحرية الأخيرة التي تمنح أطرافاً خارجية (مثل تركيا) حق الاستحواذ على 40% من الثروات البحرية مقابل الحماية، هي خير شاهد على هذا التخبط. فبدلاً من الحماية الحقيقية أو حسم ملف الأمن في إقليم “بنادر”، نجد المواقف الدولية تتقلب؛ حيث صرحت القيادة التركية بضرورة منح إثيوبيا ممراً بحرياً بعد أن حصلت تركيا على امتيازاتها. هذا الواقع يضع العقول المفكرة في مقديشو أمام سؤال وجودي وهو:-
إلى متى سيستمر استنزاف ثروات الجنوب وإقحامه في صراعات إقليمية (كسد النهضة وأزمات دول الجوار) فقط من أجل إنكار حقيقة صوماليلاند
خاتمة:
إن الحفاظ على ما تبقى من خيرات الصومال الجنوبي يتطلب واقعية سياسية شجاعة. إن الخضوع لنهب الأطراف الأجنبية تحت ذريعة “الحماية من استقلال صوماليلاند” هو انتحار سيادي. لقد آن الأوان لمقديشو أن تدرك أن استعادة كرامتها الاقتصادية وسيادتها الحقيقية تبدأ من الكف عن مطاردة الأوهام، والالتفات لبناء دولتها بعيداً عن صراعات الوكالة والارتهان للخارج.









