مقال رأي :الكاتب: طاهر محمد
في مطلع أكتوبر 2024، وبالرغم من اشتعال التوترات الإقليمية وامتداد تداعيات حرب غزة إلى الممرات المائية، مرت سفينة البحث الزلزالي التركية “أوروتش رئيس” أمام سواحل صوماليلاند بسلاسة تامة، لتصل إلى وجهتها دون عوائق. كان عبوراً تقنياً لم يعترضه أحد، لكن المشهد تبدل جذرياً مع إطلالة عام 2026.
اليوم، السفينة العملاقة “عبد الحميد خان” تختار الدوران حول القارة السمراء بالكامل للوصول إلى الصومال، في رحلة شاقة عبر رأس الرجاء الصالح. وما يؤكد أن “السياسة” لا “الحرب” هي المحرك لهذا التحول، هو التوقيت؛ فالسفينة انطلقت في شهر يناير، أي قبل شهرين من أي نذر لمواجهة إقليمية في المضيق. الحقيقة أن هذا الهروب الملاحي هو نتاج “زلزال الاعتراف” الذي فجره اعتراف إسرائيل الرسمي بجمهورية صوماليلاند في ديسمبر 2025.
لقد أدركت أنقرة أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن المرور أمام سواحل صوماليلاند بات يتطلب “تذكرة عبور سياسية” لم تصدرها هرجيسا بعد. وبحسابات الجدوى، فإن مائة مليار دولار من تجارة تركيا تمر من هذا الشريان، ما يعني أن دولاراً من كل ستة دولارات في اقتصاد تركيا الخارجي يقع فعلياً تحت سيادة صوماليلاند الملاحية.
التحدي الأكبر يكمن في طموح تركيا لتكرير النفط الخام الصومالي في مصافي “مرسين” لتحقيق أرباح مليارية؛ لكن هذا الطموح سيظل نزيفاً مالياً طالما بقيت السفن تلتف حول القارة، فالتكلفة اللوجستية للمسار الطويل تقتل ربحية المشروع بأكمله. إذا أرادت أنقرة تحويل الخام إلى ذهب أسود في مصافيها، فعليها أولاً الاعتراف بالحقيقة السياسية الموجودة في منتصف الطريق.. حقيقة “صوماليلاند”.
الرسالة من هرجيسا اليوم واضحة وصريحة: الاستثمار يتطلب الاعتراف، وزمن المرور المجاني قد انتهى. فهل ترضخ أنقرة للبراغماتية السياسية وتؤمن تجارتها ومصافيها؟









