مقال رأي:
حين تعجز مقديشو عن حكم مدينتها… فتبدأ ببناء الطرق في هرجيسا!
الكاتب: د. محمد عمر محمد
هناك حكومات تُقاس شرعيتها بما تنجزه لشعوبها، وهناك حكومات يبدو أنها لا تجد ما تفعله سوى إصدار البيانات والخرائط الوهمية، وتوزيع الوعود التي لا تصل إلى المواطن الذي يعيش تحت وطأة الفقر والخوف وانعدام الأمن.
وفي الحالة الصومالية، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
فبدلاً من أن تنشغل الحكومة الفيدرالية في مقديشو بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوفير الأمن، ومواجهة الإرهاب والتطرف، وفتح الطرق التي يحتاجها المواطن الصومالي، وتحسين الخدمات الأساسية، نجد خطاباً سياسياً يتجاوز حدود الواقع ويتحدث عن مشاريع داخل أراضٍ لا تملك مقديشو سلطة فعلية عليها.
ومن أحدث هذه المفارقات الحديث عن مشروع يحمل اسم “Boqol Jire Rising” وتقديمه للرأي العام وكأنه مشروع حكومي داخل هرجيسا. وإذا كان المقصود بهذا الطرح الإيحاء بأن الحكومة الفيدرالية في مقديشو تقوم ببناء طريق أو تنفيذ مشروع داخل هرجيسا، فإن السؤال البسيط الذي يفرض نفسه هو: بأي سلطة؟ وبأي قدرة؟ وبأي واقع على الأرض؟
الواقع لا يُرسم بالقلم على الخرائط، والسيادة لا تُكتسب بالبيانات الصحفية، والطرق لا تُبنى على وسائل التواصل الاجتماعي.
إذا كانت مقديشو تريد إقناع المجتمع الدولي بأنها قادرة على إدارة الأراضي التي تتحدث باسمها، فالأجدر بها أولاً أن تثبت قدرتها على إدارة العاصمة نفسها، وأن تجعل شوارع مقديشو آمنة، وأن تواجه الجماعات الإرهابية التي تهدد المواطنين، وأن توفر الخدمات الأساسية لشعب أنهكته عقود من الفوضى والصراع.
ليس من المنطقي أن تتحدث حكومة عن بناء الطرق بعيداً عن نطاق سيطرتها بينما لا تزال قطاعات واسعة من الشعب الصومالي تنتظر الأمن والاستقرار والتنمية.
إن المجتمع الدولي ليس بحاجة إلى المزيد من الشعارات. إنه بحاجة إلى رؤية مؤسسات تعمل، وطرق تُبنى، ومدارس تُفتح، ومستشفيات تُجهز، واقتصاد يتحرك، ومواطن يعيش بأمان.
أما محاولة رسم مشاريع على الورق داخل هرجيسا، أو استخدام أسماء جذابة لمشاريع لا وجود لها على الأرض، فلن تغير الحقيقة السياسية القائمة.
هرجيسا ليست ورقة في ملف إداري يمكن لمقديشو أن تستخدمها متى شاءت. وهي ليست مساحة فارغة تنتظر أن تأتي حكومة بعيدة عنها لتعلن أنها ستبني فيها طريقاً. هناك شعب، ومؤسسات، وإدارة، وواقع سياسي قائم، وأرض يعيش عليها الناس ويديرون شؤونهم بأنفسهم.
والأكثر إثارة للسخرية أن تأتي هذه الادعاءات في وقت لا تزال فيه مقديشو نفسها بحاجة إلى مشاريع حقيقية في البنية التحتية والأمن والتنمية.
فإذا كانت الحكومة الصومالية تملك الأموال والخطط والقدرات لبناء الطرق، فلتبدأ من مقديشو.
لتشق الطرق التي يحتاجها سكان العاصمة.
لتستثمر في المناطق التي يعاني فيها المواطن من انعدام الخدمات.
لتواجه الإرهاب بدلاً من الاكتفاء بإصدار البيانات.
لتوفر الأمن للمدنيين.
لتضع حداً للفساد.
ولتقدم للشعب الصومالي سبباً واحداً يجعله يصدق أن الحكومة قادرة على تحقيق ما تعد به.
أما أن تتجاوز كل هذه الأولويات وتتجه إلى الحديث عن مشاريع في هرجيسا، فهذا لا يبدو كخطة تنموية بقدر ما يبدو محاولة لصناعة واقع سياسي على الورق.
والرسالة التي يجب أن تصل إلى المجتمع الدولي واضحة: لا يمكن بناء الشرعية بالخرائط، ولا يمكن فرض السيادة بالبيانات، ولا يمكن اختراع الإنجازات عبر أسماء المشاريع.
من يريد أن يحكم، فليثبت قدرته على الحكم.
ومن يريد أن يبني، فليبدأ بالبناء حيث يحتاجه شعبه.
ومن يريد أن يتحدث عن السيادة، فعليه أولاً أن يثبت أنه يمتلك أدوات ممارسة هذه السيادة على الأرض.
أما هرجيسا، فلن تصبح جزءاً من مشروع حكومي بمجرد أن يظهر اسمها في وثيقة أو منشور أو عرض تقديمي.
الواقع أقوى من الدعاية، والأرض أقوى من الخرائط، والشعوب أقوى من الشعارات.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأكثر إحراجاً للحكومة في مقديشو بسيطاً جداً:
إذا كنتم عاجزين عن بناء طريق آمن في مقديشو، فكيف ستبنون طريقاً في هرجيسا؟









